في مثل هذا اليوم فقدت زوجتي بعد عودتنا من المستشفى الذي قضت فيه أسبوعا كاملا بعدما وضعت إبنتي الوحيدة التي سميتها فيما بعد "عايدة" التي قضت هي الأخرى شهرين في الصندوق الزجاجي،كانت تصارع الحياة والموت معا فقط لتلاقي أمها وتشرب من لحيق صدرها، بعدما ملت وخز الإبر المتواصل وضجرت من الأنبوب المغذي المار من عرق يدها.
فيما كنت وحيدا ألوك الأيام بإستمرار وأمقت عيشها والتجوال في لحظاتها،أسرق نظرة على إبنتي من نافذة الغرفة في أول المساء، أتأمل حركاتها وأنثر في ذاكرتي صورة لها ثم أعود لحالتي ،أراود الحانات ونديمي كأسا ينسيني مصابي أحيانا أو يذكرني به أحيانا أخرى،ويسرح بي إلى عالم غير الذي لا أعيشه،أتيه في أزقة المدينة مع السكارى وألاقي المارين للمساجد فجرا،أشد على أيديهم وأطلب منهم كالمجنون دعوة تعيد لي زوجتي الراحلة،بعد أن أختم عادتي بقصص المتشردين، أجر معهم خيباتهم وإنكساراتهم ونصف إنتصاراتهم على الحياة أمسح عن وجوههم أثار معاركها وغبار دخانها.
إلى أن أصل للمنزل باكرا أبدء يومي بأسئلتي الدائمة على صورة زوجتي...كيف لم تعودين موجودة وأنا أتنفس؟ كيف وأنا أرى وأسمع وأتكلم؟ ألست أنت من تقفين بجانبي كل ليلة وتقولي لي واصل لا تيأس ستصل يوما ستصل؟ ألست أنت من قلت لي سنمضي سويا لآخر العمر؟ (...)
أعلم أنك تسمعين أسئلتي وتجيبينني من قبرك،لكني لا أسمع أبدا صوتك،فقط أتخيل أنك تقولين كفى من حياة السكارى،عش كما كنت بجانبك،إعتني بإبنتنا وسأعمل معك على تربيتها.
كانت صغيرتي "عايدة" تفتح عيونها لأول مرة،وتزداد شبها بأمها،لم أكن أعلم أن الله لا يأخذ منا روحا إلا وقد عوضنا بمثلها،فسبحان الذي أخذ فأعطى.
مرت الأيام ولم أسلم أيضا من العادات والتقاليد وإلحاح أمي المتواصل للزواج بإمرأة تخلف رحيل زوجتي،كرهت كل ذلك الكلام،لا حاجة لي بزوجة لا تشفي أثر جرحي،فيما سينفع وجودها أصلا؟، لترتمي على صدري في آخر الليل؟ لن تملأه كل نساء الكون فما بالكم بواحدة.لتربي إبنتي "عايدة"؟ ،أنا أفعل أفضل منهن،تعلمت الطهي والغسيل،أغير حفاظاتها قبل أن تصرخ،وأطعمها بيدي على اتساع معدتها الصغيرة،قبل أن أحضنها عندي كملاك صغير،أنشد لها ما تعلمته من أمها الى أن تنام.
كبرت "عايدة" ولاتزال ترث من أمها جمالها وروحها،عيناها الواسعتان التي طالما غرقت في إخضرارها المتشعب،وروح خجولة رقيقة حنونة زادتها أنوثة ومحبة لأبيها.
أصبحت أوصلها للمدرسة كل يوم بنفسي قبل أن تناديني كعادتها كل صباح:
_أبي ...هل لك أن تعيد مشط شعري،أريدك أن تصنع لي ظفيرة كما تفعل دوما
طلبها كان يشعرني بالفخر،أخفي عنها دموعي على إمتداد الطريق للمدرسة،أذهب للعمل وأعود لإصطحابها من باب المدرسة أقتني لها "الشوكلاطة" ولا تقبل إلتهامها الا وقد وزعت على صديقاتها لكل واحدة منهن قطعة،وفي عودتنا للمنزل تحكي لي قصص صديقاتها في الفصل وعن إعجاب أستاذتها بجمالها وإجتهادها،قبل أن تختم كلامها بضحكة تكفي لأضمها لصدري.
وأتساءل كعادتي في صمت...لما مرت كل هذه السنوات ولم تسألني ،أين هي أمي؟،هل أخبرتها وهي في جنة رحمها قبل أن ترحل !!!، أم أنها تكلمها من قبرها دون أن أسمع حديثهما!!!
0 Komentar untuk "فقيد لم نجالسه"