تولي النساء القضاء

تولي النساء القضاء


معنى القضاء شرعا هو الخصومة بين خصمين فأكثر بحكم الله تعالى، وقيل: إلزام ذي الولاية بعد الترافع، وقيل: هو الإكراه بحكم الشرع في الوقائع الخاصة لمعين أو جهة كبيت المال، وقيل: النظر بين المترافعين له للإلزام، وفصل الخصومات، وقال ابن فرحون حقيقة القضاء: الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام، وقال ابن عرفة: القضاء: صفة حكمية توجب لموصوفها نفوذ حكمه الشرعي، ولو بتعديل أو تجريح لا في عموم مصالح المسلمين.
قال ابن عبد السلام: "الحكم الذي يستفيده القاضي بالولاية، هو إظهار حكم الشرع في الواقعة ممن يجب عليه إمضاؤه فيه".
#دليل_مشروعية_القضاء:
● أولا: من الكتاب: دلّ على مشروعيته -في الجملة- آيات كثيرة؛ منها: قوله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: 48]، وقوله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: 42]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ [النساء: 105].
● ثانيا: من السنة: وقد دل على مشروعة القضاء -في الجملة- أحاديث كثيرة؛ منها: حديث عمرو بن العاص -رضي الله عنه-: أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر»(صحيح البخاري 6/ 2676، برقم 6919، صحيح مسلم 3/ 1342، برقم 1716)، وحديث أم سلمة -رضي الله عنها-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنكم تختصمون إلي، ولعلَّ بعضكم ألحَنَ بحُجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً بقوله، فإنما أقطع له قطعة من النار، فلا يأخذها»(صحيح البخاري 2/ 952، برقم 2534، صحيح مسلم 3/ 1337، برقم1713)، وعن بُريدة -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم-: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار. فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم، فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار»(سنن الترمذي 3/ 612، برقم 1322، سنن أبي داود 2/ 322، برقم 3573 واللفظ له، قال الألباني: صحيح لغيره. انظر: صحيح الترغيب والترهيب 2/ 253 برقم 2172).
#التحذير_من_تولي_القضاء:
ليس القضاء شرفا ولا مَكرمة، وإنما هو أمانة ومسؤولية، وخزي وندامة يوم القيامة، لمن لم يقم به حق القيام؛ ولذا فقد امتنع منه الإمام الشافعي -رضي الله عنه- لما استدعاه المأمون؛ لقضاء الشرق والغرب، وامتنع منه الإمام أبو حنيفة -رضي الله عنه- لما استدعاه المنصور، فحبسه وضربه.
وقد تقدم حديث بريدة في التحذير منه لمن لم يحكم بالعدل، ومما جاء في التحذير منه أيضاً حديث أَبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من ولي القضاء فقد ذُبِح بغير سكين»(سنن الترمذي 3/ 614، برقم 1325 وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، سنن أبي داود 2/ 322، برقم 3571 واللفظ له، والحديث صححه الألباني. انظر: صحيح الترغيب والترهيب 2/ 253 برقم 2171)، وعن أَبي هريرة -رضي الله عنه-: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من طلب قضاء المسلمين حتى يناله، ثم غلب عدله جوره، فله الجنة، ومن غلب جوره عدله، فله النار»(سنن أبي داود 2/ 323، برقم 3575، سنن البيهقي الكبرى 10/ 88، برقم 19952، قال الألباني: ضعيف. انظر: مشكاة المصابيح 2/ 350 برقم 3736). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ليأتين على القاضي العدل يوم القيامة ساعة، يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط»(مسند أحمد بن حنبل 6/ 75، برقم 24508).
قال ابن مفلح: "والواجب اتخاذها (أي ولاية القضاء) ديناً وقُربة؛ فإنها من أفضل القُربات، وإنما فسد حال الأكثر لطلب الرياسة والمال بها، ولمسلمٍ عن معقل بن يسار مرفوعاً: «ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة»"(الفروع 6/ 371، والحديث في صحيح مسلم 1/ 125، برقم 229). وقال الشيخ تقي الدين -رحمه الله-: "الولاية لها ركنان: القوة والأمانة، فالقوة في الحكم: ترجع إلى العلم بالعدل، وتنفيذ الحكم. والأمانة ترجع إلى خشية الله عز وجل".
وبعد هذه المقدمات أنتقل إلى الحديث عن #حكم_تولي_المرأة_القضاء؛ فأقول مستعينا بالله ..
● تحريم تولي المرأة القضاء ذهب إليه #الشافعية، حيث اشترطوا في تولي القضاء أن ييون القاضي ذكرا، قال "النووي": "وشرط القاضي: مسلم، مكلف، حر، ذكر، عدل، سميع، بصير، ناطق، كاف، مجتهد"، وقال في أسنى المطالب: "ويشترط فيمن يتولى القضاء أن يكون مسلما، حرا، ذكرا"، وقد ذكر في حاشية البجيرمي خمس عشرة خصلة، لا يصح أن يلي القضاء أحد إلا بها، حتى يكون قضاؤه صحيحا، منها: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، والعدالة...
● وذهب #الحنابلة إلى التحريم أيضا؛ وهذا ما هو منصوص عليه في كتبهم، قال في المقنع: "ويشترط في القاضي عشر صفات: أن يكون بالغا، عاقلا، ذكرا، حرا، مسلما، عدلا، سميعا، بصيرا..."، وقال "ابن قدامة المقدسي": "وجملته أنه يشترط في القاضي ثلاثة شروط: أحدها الكمال. وهو نوعان: كمال الأحكام، وكمال الخلقة. أما كمال الأحكام، فيعتبر في أربعة أشياء: أن يكون بالغا، عاقلا، حرا، ذكرا..."، وقال "مرعي بن يوسف": "ويشترط في القاضي عشر خصال: كونه بالغا، عاقلا، ذكرا، حرا، مسلما، عدلا، سميعا، بصيرا، متكلما، مجتهدا ولو في مذهب إمامه؛ للضرورة".
● ومثلهم #المالكية حرموا تولي المرأة القضاء؛ قال في "أشرف المسالك": "القضاء فرض كفاية إلا أن يتعين، فلا يجوز الامتناع. ويشترط أن يكون مسلما، ذكرا، مكلفا، سميعا، بصيرا، كاتبا، فطنا، متيقظا، ورعا، عدلا، مجتهدا"، وقال في "التلقين": "ولا يكون الحاكم عبدا، ولا امرأة"، وقد نسب "ابن رشد الحفيد" هذا القول إلى الجمهور، حيث قال: "وكذلك اختلفوا في اشتراط الذكورة، فقال الجمهور: هي شرط في صحة الحكم".
من خلال هذا البيان يتبين للقارئ الكريم أن القائلين بتحريم تولي القضاء للمرأة هم جمهور أهل العلم من #الشافعية، و #الحنابلة، و #المالكية ومن وافقهم من أهل العلم من المتأخرين.
و أدلة المحرمين لتولي المرأة القضاء:
1. قوله -صلى الله عليه وسلم-:«لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة»(صحيح البخاري 4/ 1610، برقم 4163، سنن النسائي 8/ 227، برقم 5388)، قال "الشوكاني" في هذا الحديث: (فيه دليل على أن المرأة ليست من أهل الولايات، ولا يحل لقوم توليتها؛ لأن تجنب الأمر الموجب لعدم الفلاح واجب)(27).
2. واستدل العلماء أيضا على عدم جواز توليها القضاء، بحديث أبي ذر-رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب إليك ما أحب لنفسي. لا تأمَّرنَّ على اثنين، ولا تولَّينَّ مال يتيم»(صحيح مسلم 3/ 1457، برقم 1826، سنن النسائي6/ 255، برقم 3667، سنن أبي داود 2/ 127، برقم 2868)، وفي رواية «قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي. ثم قال: "يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدّى الذي عليه فيها»(صحيح مسلم 3/ 1457، برقم 1825، مسند أحمد بن حنبل 5/ 173، برقم 21552)، ووجه الاستدلال بهذا الحديث هو: أن الإمارة، وتولي القضاء منها، لا يصلح الضعفاء لها، وقد علم أن المرأة ناقصة دين وعقل (أي ضعيفة). قال "الشوكاني" في قوله: «أراك ضعيفا»: "فيه دليل على أن من كان ضعيفا لا يصلح لتولى القضاء بين المسلمين".
3. واستدل الجمهور أيضا على عدم جواز تولية المرأة القضاء، بأن المرأة ناقصة عقل ودين، والقاضي يحتاج إلى كمال الرأي. قال "الشربيني" من "الشافعية": "فلا تُولَّى امرأة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة» ولأن النساء ناقصات عقل ودين"، وقال "ابن حجر": "واتفقوا على اشتراط الذكورية في القاضي إلا عن #الحنفية، واستثنوا الحدود، وأطلق بن جرير. وحجة الجمهور: الحديث الصحيح: «ما أفلح قوم ولَّوا أمورهم امرأة» -وقد تقدم-؛ ولأن القاضي يحتاج إلى كمال الرأي؛ ورأي المرأة ناقص، ولا سيما في محافل الرجال"(فتح الباري ابن حجر 13/ 146)، وبيَّن "ابن مفلح" من "الحنابلة" لم لا تصلح المرأة للقضاء؟ فقال: "لأن المرأة ناقصة العقل، وقليلة الرأي ليست أهلا لحضور الرجال"، وقال "ابن قدامة المقدسي": "ولأن القاضي يحضره محافل الخصوم والرجال، ويحتاج فيه إلى كمال الرأي، وتمام العقل والفطنة، والمرأة ناقصة العقل، قليلة الرأي، ليست أهلا للحضور في محافل الرجال".
》 وقد دل على ضعفها قوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: 282]، حيث دلت الآية على أنه لا تقبل شهادتها على انفرادها؛ فدل ذلك على ضعفها، قال "ابن قدامة المقدسي": "ولا تقبل شهادتها، ولو كان معها ألف امرأة مثلها، ما لم يكن معهن رجل، وقد نبه الله تعالى على ضلالهن ونسيانهن بقوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: 282]".
4. واستدلوا على عدم صلاحيتها لولاية القضاء بالقياس على عدم صلاحيتها للولاية العامة. قال "ابن قدامة المقدسي" في سياق استدلالاته على عدم صلاحيتها للقضاء: "ولا تصلح للإمامة العظمى، ولا لتولية البلدان"، وقال "ابن رشد" من "المالكية": "فمن رد قضاء المرأة شبهه بقضاء الإمامة الكبرى".
5. واستدل الجمهور أيضا على عدم جواز تولية المرأة القضاء، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يول امرأة القضاء أبدا، ولا الخلفاء الراشدون ولا خلفاء بني أمية ...، قال "ابن قدامة المقدسي": "لم يولِّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا أحد من خلفائه، ولا من بعدهم، امرأةً قضاءً ولا ولايةَ بلد -فيما بلغنا- ولو جاز ذلك لم يخلُ منه جميع الزمان غالباً".

#كخلاصة فإن الجمهور قد استندوا في تحريم تولي المرأة للقضاء إلى حديث نهي الضعفاء عن تولي الولاية، أيِّ ولاية كانت، وهذا الضعف يمكن أن يقع في الرجال وهو في النساء أيضا، إلا أن ضعف الرجال ليس أمرا جِبِلِّياً فطريا، بل هو أمر مكتسب، بخلاف ضعف النساء فهو ضعف مغروس في فطرتها وجِبلَّتها؛ بدليل الآيات والأحاديث الدالة على أن النقص في عقل المرأة ودينها، موجود في طبيعتها وفطرتها التي فطرها الله عليها؛ فإذا حُرِّمت الولاية على الضعفاء من الرجال، فهي أولى وأحرى أن تحرم على النساء الضعيفات بفطرتهن.
وفي الأخير أسال الله العلي القدير أن يرينا الحق حقا ويرزقنا إتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه انه ولي ذلك والقادر عليه.
والحمد لله رب العالمين، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل ... وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
هذا ليس كل شيء تصفح باقي الصفحات وتعرف على باقي التفاصيل…
0 Komentar untuk "تولي النساء القضاء "

المشاركات الشائعة